الوعي بقوة الخيار

يُعدّ سؤال: هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ من أعمق الأسئلة الوجودية التي شغلت الفكر الديني والفلسفي والنفسي عبر العصور. فهذا السؤال لا يقتصر على الجدل النظري، بل يمتد ليؤثر مباشرة في طريقة عيش الإنسان لحياته، وفي قراراته المتعلقة بعمله، وصحته، وعلاقاته، ومسؤوليته تجاه نفسه والمجتمع. الوعي بقوة الخيار لا يعني إنكار القدر، بل فهم العلاقة الدقيقة بين ما هو خارج إرادة الإنسان، وما هو داخل نطاق وعيه وقدرته على الاختيار.
يرى الإنسان نفسه يوميًا أمام مفترق طرق:
في عمله، هل يبقى بدافع الخوف أم يختار التطور؟
في علاقاته، هل يستمر في أنماط مؤذية أم يختار الوعي والحدود الصحية؟
في صحته وحياته الاجتماعية، هل يستسلم للظروف أم يتحمّل مسؤولية قراراته؟
الحقيقة أن الإنسان ليس مسيّرًا بالكامل ولا مخيّرًا مطلقًا. فهناك معطيات لم يخترها، مثل لون بشرته، جنسه، بيئته الأولى، أو بعض ظروفه الصحية، لكن ضمن هذه الحدود أُعطي مساحة حقيقية للاختيار، وهي المساحة التي يُحاسَب عليها.
الإسلام يقدّم تصورًا متوازنًا وعميقًا لهذه المسألة، حيث يقرّ بالقدر، لكنه في الوقت ذاته يؤكد على حرية الإرادة والمسؤولية الفردية. يقول الله تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
سورة البقرة، الآية 286
وهذا يدل بوضوح على أن التكليف الإلهي مرتبط بالقدرة، أي أن الإنسان يُحاسَب ضمن نطاق خياره وطاقته.
كما يؤكد القرآن على حرية الإنسان في اتخاذ الطريق الذي يريده:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾
سورة الإنسان، الآية 3
وهو نص صريح يثبت أن الهداية عُرضت، لكن الاختيار تُرك للإنسان.
قوة الخيار تعكس مستوى الإيمان
واليقين بالله، والثقة بالنفس، والتقدير الذاتي. فكلما كان الإنسان واعيًا لخياراته، تحرّر من دور الضحية، وانتقل من منطق الجبر إلى منطق المسؤولية. وفي المقابل، تؤكد العديد من المدارس النفسية والفلسفية المادية على مفهوم الجبرية؛ فالمدرسة السلوكية ترى الإنسان كمجموعة استجابات شرطية للمثيرات، حيث يُختزل السلوك في فعل وردة فعل دون اعتبار حقيقي للإرادة الحرة.
أما التحليل النفسي الكلاسيكي عند فرويد، فيُرجع تشكيل الشخصية إلى الطفولة المبكرة والصراعات اللاواعية، مما يقلّل من دور الخيار الواعي في الحاضر.
كما أن الماركسية تفسّر السلوك والإبداع من منظور اقتصادي طبقي، حيث تُرجع كل شيء للبنية المادية.
في المقابل، يركّز المنظور الروحي والإسلامي على أن القلب والنية هما منطلق الاختيار، وأن الجسد هو أداة التنفيذ. وعندما يواجه الإنسان عوائق مثل الخوف، أو ضغط المجتمع، أو آراء الآخرين، أو عدم تلبية الاحتياجات الأساسية، قد يتراجع إلى مسار الجبرية دون وعي.
كل يوم يختار الإنسان—بوعي أو بدونه—إما القوة أو الضعف.
والخيار الواعي ينبع من:
• المعرفة
• فهم قوانين الحياة
• الإيمان بالوفرة
• الإصغاء للقلب والحدس
ولهذا، يصبح السؤال المركزي قبل أي قرار:
هل هذا الخيار يقوّيني أم يضعفني؟
فالخيار الذي يقوّي الإنسان يكون منسجمًا مع قيمه وشجاعته، بينما الخيار الذي يضعفه غالبًا يكون خاضعًا لإرضاء الآخرين أو لكبت المشاعر.
التدرّب على قوة الخيار يبدأ بخطوات صغيرة:
البدء بفعل جديد خارج منطقة الراحة، اتخاذ قرار مؤجَّل، أو اختيار استجابة مختلفة لحدثٍ ما. فالحدث واحد، لكن الاستجابة تحمل آلاف الاحتمالات، وكل استجابة هي خيار.
التحرّر الحقيقي لا يعني التمرّد على المجتمع، بل الانسجام بين خيار القلب وخير الجماعة. فالإنسان حين يختار بوعي، يربح هو، ويربح غيره، ويربح المجتمع ككل.
قوة الخيار لا تظهر فقط في القرارات الكبيرة والمصيرية، بل تتجلّى بوضوح في التفاصيل الصغيرة التي نمرّ بها يوميًا. في الطريقة التي نبدأ بها يومنا، في نبرة صوتنا مع أنفسنا، في قبولنا أو رفضنا لواقع معيّن، وفي كيفية تعاملنا مع مشاعرنا قبل التعامل مع العالم الخارجي. فالإنسان لا يُسلب خياره دفعة واحدة، بل يفقده تدريجيًا حين يعتاد تجاهل صوته الداخلي، ويقدّم رضا الآخرين على صدقه مع ذاته.
كثير من الناس يخلطون بين التسليم لله وبين الاستسلام، بينما الفرق بينهما جوهري. التسليم هو خيار واعٍ نابع من ثقة ويقين، أما الاستسلام فهو انسحاب داخلي ناتج عن خوف أو عجز. التسليم يمنح الإنسان طمأنينة وقوة داخلية، بينما الاستسلام يسلبه إحساسه بالقدرة ويغذّي دور الضحية. ولهذا، فإن الوعي بقوة الخيار هو ما يميّز الإنسان المتوكّل عن الإنسان المنسحب.
النية هنا تلعب دورًا محوريًا؛ فالخيار لا يُقاس فقط بنتيجته الظاهرة، بل بالدافع الكامن خلفه. قد يتخذ شخصان القرار نفسه، لكن أحدهما بدافع الحب والوعي، والآخر بدافع الخوف والهرب، فتكون النتائج الداخلية مختلفة تمامًا. فالنية هي البوصلة التي تحدد إن كان الخيار يقود إلى توسّع روحي أو إلى انكماش داخلي.
كما أن الجسد يحمل أثر الخيارات غير المعاشَة، والمشاعر المكبوتة، والقرارات المؤجَّلة. فحين لا يُسمَح للقلب أن يختار، يبدأ الجسد بالتعبير على شكل إرهاق، توتّر، أو ثقل داخلي. وهنا تظهر أهمية الانسجام بين القلب والعقل والجسد؛ فالقلب يختار، والعقل يخطّط، والجسد ينفّذ، وأي خلل في هذا التوازن يضعف طاقة الخيار.
الإنسان الواعي يدرك أن الفشل ليس دليلًا على خطأ الخيار، بل أحيانًا دليل على شجاعة المحاولة. فعدم الاختيار هو بحد ذاته خيار، وغالبًا ما يكون أكثر كلفة على الروح من أي تجربة غير مكتملة. لذلك، فإن التسامح مع الذات بعد الخيارات غير الموفّقة هو جزء أساسي من النضج الروحي، لأن القسوة على النفس تعيد الإنسان إلى مسار الجبرية بدل التعلم والنمو.
ومع كل توسّع في الوعي، تتغيّر جودة الخيارات. فكلما عرف الإنسان نفسه أكثر، وشفَى مخاوفه، وواجه ظلاله، أصبح خياره أنقى وأقرب للحكمة. وهنا يتحوّل الخيار من مجرّد قرار إلى تعبير عن هوية داخلية ناضجة، لا تتأثر بسهولة بالضغوط الخارجية أو الوعي الجمعي.
في النهاية، الحياة ليست سلسلة أحداث نتحكم بها بالكامل، لكنها مساحة مفتوحة للاستجابة الواعية. وما بين الحدث والاستجابة، يولد الخيار، وتولد الحرية، وتتشكّل قيمة الإنسان. فالقوة الحقيقية ليست في تغيير كل ما يحدث، بل في اختيار المعنى، واختيار الموقف، واختيار الطريق الذي ينسجم مع القلب ويقود إلى السلام الداخلي.
إجراءات المقال
الكاتبة
هبة حبيب
استشارية نفسية سلوكية
مقالات متخصصة في الصحة النفسية والعلاقات العاطفية والزوجية، تقدّم محتوى توعويًا مبنيًا على أسس علمية وبأسلوب واضح وبسيط.